أحمد بن يحيى العمري

29

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

مدره « 1 » خصام ، وبدرة صمصام « 2 » بقلب قلّب ، ولسان ليست عارضته بخلّب « 3 » ، وجبل يدق على الكيد ، ويقوى على الأيد ، لولا إفراط شغفه بالنساء ، وكلفه بذوات السناء ، وما اقتفاه « 4 » من سنة مصعب بن الزبير في المغالاة في مهورهن ، وترك بوارق السيوف لإيماض ثغورهنّ ، وإلا فقد كان طعم علقم إذا غضب ، ومس أرقم « 5 » إذا وثب ، ومن كنوز المطالب أنه كان تلو أخيه في شدة البدن والعبادة ، وحب العزلة وطلب العلم ، وهو أشعر من أخيه ، وظهرت له شجاعة وطول صبر على الاغتراب برا وبحرا ، حتى إنّه دخل على المنصور في هيئة منتصح ، وقد أخفى شكله ، وقال له : مالي عندك إن جئتك بإبراهيم بن عبد الله ، فوعده بإحسان جزيل ، فطلب منه أن يكتب إلى ولاة البحر الفارسي بالإعانة في مقاصده حيث توجه ، فكتب له الكتب وأوصى الولاة به فتمكن بذلك من الهرب ، وبث الدعوة إلى أن أحكم أمره ، ثم أتى البصرة ، حتى أبطل بناء بغداد ، وأعد الجهازات للهرب إلى خراسان ، لما رأى من إفراط إقبال الناس عليه وإعراضهم عنه ، إلى أن هزمه عيسى بن موسى ، وقتله في المعركة ، فعاد المنصور إلى بناء مدينته ، وقال : الآن عرفت رأسي أنه لي ، ولم يخطب له بإمرة أمير المؤمنين إلا بعد مقتل [ ص 5 ] أخيه ، وكان خروجه وخروج أخيه في سنة خمس وأربعين ومائة . ومن كتاب تجارب الأمم أنه قاسى شدائد في اختفائه ، حتى إنه أكل على موائد المنصور ، ووجد في بيت مال البصرة ألفي ألف درهم ، فتقوّى بها ، وصارت له فارس والأهواز ، وكان الملتقى بينه وبين

--> ( 1 ) المدره : السيد الشريف ، وزعيم القوم ، وخطيبهم المتكلم عنهم . ( 2 ) الصمصام : السيف الصارم لا ينثني . ( 3 ) العارضة : البديهة والرأي الجيد ، والخلّب : الخادع ، ومنه السحاب الخلّب الذي يومض برقه ولا يمطر . ( 4 ) اقتفاه : تبعه واختص به . ( 5 ) الأرقم : ذكر الحيات أو أخبثها .